محمد بن جرير الطبري

576

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وذكر بعضهم ان ملك الروم في أيام دارا الأكبر كان يؤدى إلى دارا الاتاوه فهلك ، وملك الروم الإسكندر ، وكان رجلا ذا حزم وقوه ومكر ، فيقال انه غزا بعض ملوك المغرب فظفر به ، وآنس لذلك من نفسه القوه فنشز على دارا الأصغر ، وامتنع من حمل ما كان أبوه يحمله من الخراج ، فحمى دارا لذلك ، وكتب اليه كتبا عنيفه ، ففسد ما بينهما وسار كل واحد منهما إلى صاحبه وقد احتشدا والتقيا في الحد واختلفت بينهما الكتب والرسائل ، ووجل الإسكندر من محاربه دارا ، ودعاه إلى الموادعة ، فاستشار دارا أصحابه في امره ، فزينوا له الحرب لفساد قلوبهم عليه وقد اختلفوا في الحد وموضع التقائهما ، فذكر بعضهم ان التقائهما كان بناحيه خراسان مما يلي الخزر ، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى خلص إليهما السلاح ، وكان تحت الإسكندر يومئذ فرس له عجيب يقال له بوكفراسب ، ويقال إن رجلا من أهل فارس حمل ذلك اليوم حتى تخرق الصفوف ، وضرب الإسكندر ضربه بالسيف خيف عليه منها ، وانه تعجب من فعله وقال : هذا من فرسان فارس الذين كانت توصف شدتهم ، وتحركت على دارا ضغائن أصحابه ، وكان في حرسه رجلان من أهل همذان ، فراسلا الإسكندر والتمسا الحيلة لدارا حتى طعناه ، فكانت منيته من طعنهما إياه ، ثم هربا . فقيل إنه لما وقعت الصيحة ، وانتهى الخبر إلى الإسكندر ركب في أصحابه ، فلما انتهى إلى دارا وجده يجود بنفسه ، فكلمه ووضع رأسه في حجره ، وبكى عليه ، وقال له : اتيت من مأمنك ، وغدر بك ثقاتك ، وصرت بين أعدائك وحيدا ، فسلني حوائجك فانى على المحافظة على القرابة بيننا - يعنى القرابة بين سلم وهيرج ابني افريذون - فيما زعم هذا القائل - واظهر الجزع لما اصابه ، وحمد ربه حين لم يبتله بأمره ، فسأله دارا ان يتزوج ابنته روشنك ، ويرعى لها حقها ، ويعظم قدرها ، وان يطلب بثاره ، فأجابه الإسكندر إلى ذلك